حقيقة المسيح13


كما روى إنجيل مرقص عن السيد المسيح عليه السلام ما ترجمته : " وبعد ذلك ظهر بهيئة أخرى لاثنين منهم وهما يمشيان منطلقين إلى البرية ، وذهب هذا وأخبر الباقين فلم يصدقوا ولا هذين " (مر 16 : 12) ، ويتضح من ذلك أن الله تعالى قد ألقى شبه المسيح على سواه ، وظهر ابن مريم بصورة مخالفة لهيئته حتى بدا غريبا على أصحابه المقربين فسلم هو وقتل اليهود شبيهه على أنه هو ، وبدأوا في نسج الخيالات وحبك الأكاذيب على شخص المسيح عليه السلام .

و – ثبوت عدم القبض على المسيح عليه السلام :
جاء في إنجيل يوحنا ، الإصحاح الثامن عشر ، ما يمكن أن نأخذ منه امتناع المسيح عليه السلام على من أرادوا القبض عليه ، وذلك من مثل ما وردت ترجمته : " فأخذ يهوذا الجند وخداما من عند رؤساء الكهنة والفريسيين وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح ، فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم : من تطلبون ؟ أجابوه : يسوع الناصري ، فقال لهم يسوع : أنا هو ، وكان يهوذا مسلمه واقفا أيضا معهم ، فلما قال لهم إني أنا هو رجعوا إلى الوراء ، وسقطوا على الأرض ، فسألهم أيضا : من تطلبون ؟ فقالوا : يسوع الناصري أجاب يسوع : قد قلت لكم أنا هو فإن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون " .فانظر كيف كانت المعجزة في سقوطهم على الأرض حين قال لهم إنه هو المسيح ، وإذا رأينا إنجيل يوحنا يذكر بعدها أنهم قبضوا عليه فذلك طبعا حسب زعم كاتبه ، وقد ذكرنا من قبل أن إنجيل يوحنا دون بعد زمن المسيح بسنين عديدة ، ونضيف إلى ذلك أن رواية الصلب لا يمكن أن تكون من الإنجيل ، لأن الإنجيل هو ما قاله المسيح عليه السلام في حياته ، وابن مريم لم يرو طبعا حادثة صلب نفسه .ويثبت لدينا امتناع المسيح عليه السلام على أعدائه مما ورد في إنجيل يوحنا عن المسيح عليه السلام والذي ترجمته : " وكان قوم منهم يريدون أن يمسكون ، ولكن لم يلق أحد عليه الأيادي " (يو 7 : 44) أي أنهم لم يقبضوا عليه .

كذلك يشير إنجيل يوحنا إلى أن اليهود لم يستطيعوا أن يقبضوا على المسيح عليه السلام ويأسروه ، بل لقد أعلن قائلا أنه غلبهم جميعا فقد جاء في ذلك الإنجيل (يوحنا 16 : 33) ما ترجمته : " ولكن ثقوا أني قد غلبت العالم " فهل يمكن لعاقل أن يفسر قوله أنه غلب العالم ، بادعاءات الأناجيل الكاذبة أن اليهود قبضوا عليه وصفعه الخادم على خده (18 : 22) ووضعوا على رأسه إكليلا من الشوك ، وكانوا يستهزئون به قائلين : " يا ملك اليهود وكانوا يلطمونه " (يو 19 : 3) وأنه طعن في جنبه (يو 19 : 34) وكانوا يسخرون به (لو 23 : 25) وأنه صلب مع مجرمين كانا يسبانه ويلعنانه ويجدفان عليه (مر 15 : 27) وأنهم عذبوه وسقوه خلا (مر 15 : 36) وبصقوا عليه وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه (متى 27 : 30) ... الخ الخ .

ز – ثبوت براءة يهوذا من خيانة المسيح عليه السلام :
تذكر الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم أن يهوذا الإسخريوطي أحد حواري المسيح عليه السلام ، خان ابن مريم ، فاستأجرته اليهود ليدلهم عليه ، وأنقدته على ذلك ثلاثين فضة ولكن الذي يطلع على كتبهم ، يتبين له منها أن هذا العمل محال أن يصدر عن يهوذا ، وإلا نسبنا للمسيح عليه السلام الجهل واتهمناه بالكذب (شرفه الله عن ذلك) .وإن في تناقض الرواية عن يهوذا ، ما يساعد على الاهتداء إلى كون مسألة التسليم لم تحدث وأن الحديث عنها محض حدس وتخمين .ولأضرب لك مثلا مما اختلفت فيه كتبهم بشأن يهوذا : فقد ذكر إنجيل متى أن يهوذا بعد أن ندم على تسليم المسيح " مضى وخنق نفسه " (متى 27 : 5) بينما يذكر سفر (أعمال الرسل) أن يهوذا لم يخنق نفسه ، بل " سقط على وجهه فانشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها " (أعمال 1 : 18) ، وخالف هذا السفر (أعمال الرسل) كذلك إنجيل متى فلم يذكر أن يهوذا ندم على تسليم المسيح .وهنالك تناقض غريب كذلك في الروايتين ، فقد ذكر سفر (أعمال الرسل) أن يهوذا أخذ نقودا من اليهود أجر تسليم المسيح عليه السلام ، وأنه اشترى بها حقلا " وصار معلوما عند جميع سكان أورشليم ، حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما أي حقل دم " (أعمال 1 : 19،18) .ويناقض هذا القول إنجيل متى فيشهد أن يهوذا " ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلا : قد أخطأت إذ سلمت دما بريئا ، فقالوا : ماذا علينا أنت أبصر ، فطرح الفضة في الهيكل وانصرف .. فأخذ رؤساء الكهنة الفضة ، وقالوا : لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء " (متى 27 : 3-7) .

أما كون يهوذا لا يمكن أن يسلم المسيح عليه السلام أو يخونه ، فإني أبرهن عليه من شهادة كتبهم التي يؤمنون بها على الرغم من زورها وتحريفها .فلقد كان يهوذا أحد حواري المسيح عليه السلام وأحبائه ، وأحد الاثني عشر تلميذا الذين مدحهم المسيح عليه السلام أعظم مدح ، ووعدهم بالجلوس على كراسي العظمة والمجد ، فقد نسب إنجيل متى (19 : 28) إلى يسوع قوله الذي ترجمته : " الحق أقول لكم إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد ، متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده ، تجلسون أنتم على اثني عشر كرسيا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر " .ويهوذا كذلك هو أحد الاثني عشر الذين يصفهم إنجيل متى بأن المسيح عليه السلام دعاهم ، وأعطاهم سلطانا على أرواح نجسة حتى يخرجوها ، ويشفوا كل مرض وكل ضعف " (متى 10 : 1) .ويسجل إنجيل متى بعد أن ذكر الاثني عشر تلميذا بأسمائهم ، ومنهم يهوذا ما ترجمته : " هؤلاء الاثني عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلا : إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا ، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ، وفيما أنتم ذاهبون أكرزوا قائلين إنه قد اقترب ملكوت السماوات ، اشفوا مرضا ظهروا برصا أقيموا موتى أخرجوا شياطين ... الخ " (متى 1 : 5) .إن يهوذا الذي أعطاه المسيح عليه السلام كل هذا السلطان ، يدعي كاتبوا الأناجيل المزورة أنه مات مرتدا كافرا منافقا ، وأنه خان المسيح عليه السلام وسلمه ، وذلك بالرغم من شهادة المسيح له ، أنه سيكون معه هو والحواريون في الجنة في الآخرة .. كما تسطر الأناجيل المحرفة التي يؤمنون بها .إن الذي روى حكاية تسليم يهوذا للمسيح عليه السلام ، حسب أن يهوذا أسلمه حقيقة فرواها حسب ظنه ، ولم يدر أن يهوذا غسل المسيح عليه السلام رجليه مع باقي التلاميذ وقال : " الذي اغتسل له حاجة إلا إلى غسل رجليه بل هو طاهر كله " (يو 13 : 10) فشهد بذلك أن يهوذا طاهر كله .

ح – المسيح عليه السلام لم يقم من الموت :
يدعي كاتبو الأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم أن المسيح عليه السلام قتل وصلب ودفن ، ثم قام بعد ذلك من القبر ، ولكن في كتبهم الدليل القطعي على فساد هذا الزعم ، فقد جاء في سفر ايوب (7 : 9) ما ترجمته : " السحاب يضمحل ويزول ، هكذا الذي ينزل إلى الهاوية لا يصعد " أي أن القانون السماوي ، هو أن الذي يموت لا يقوم ثانيا ، بل إن ثبوت وجود المسيح بعد واقعة الصلب لمما يثبت أن المصلوب كان سواه .ولقد ثبت كذلك في كتبهم المحرفة أن المسيح عليه السلام أخبرهم أنه إذا ذهب فسوف لا يرونه ، وذلك مثل ما هو منسوب إلى المسيح عليه السلام في إنجيل يوحنا من قول ترجمته : " لأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضا " (يوحنا 16 : 1) .فقولهم أن المسيح عليه السلام قام ، يخالف قوله بداهة ، وإلا فانظر إلى ما نسب إليه في إنجيل لوقا من قوله : " الحق الحق أقول لكم أنكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه مبارك الآتي باسم الرب " (لوقا 13 : 5) .

ط – علم المسيح عليه السلام أنه سيشبه لهم وأنه سيرفع :
لقد علم المسيح عليه السلام أن معاصريه من تلاميذه ، وأتباعه ، وأعدائه اليهود ، والوثنيين سيشكون في كون المصلوب غيره ، وقد أخبره تعالى أنه سيرفعه إليه ، وأنه لن يمكن منه أحدا من أعدائه ، ولذلك يروي إنجيل مرقص قولا منسوبا إلى المسيح موجها لأتباعه قبل حادثة الصلب ترجمته : " إن كلكم تشكون في هذه الليلة " (مرقص 14 : 27) ، وهذا ما حدث فعلا ، فقد شك فيه تلاميذه وأتباعه وحسبوا أنه هو الذي صلب .وانظر بعد ذلك فيما ورد في إنجيل متى من وعد منسوب إلى السيد المسيح عليه السلام بفوز من يعرف الحق ، ولا يعثر فيه ، أليس ذلك معنى قوله الذي ترجمته : " طوبى لمن لا يعثر في " (متى 11 : 6) .ويدل على رفع المسيح عليه السلام القول المنسوب إليه في إنجيل يوحنا والذي ترجمته : " أما الآن فأنا ماض إلى الذي أرسلني ، وليس أحد منكم يسألني أين تمضي " (يو 16 : 5) ، وقول آخر منسوب إليه في نفس الإنجيل ترجمته : " خرجت من عند الآب وأيضا أترك العالم وأذهب إلى الآب " (يو 16 : 28) .وإنك لترى أن هذه الأقوال لا تدل مطلقا على كونه سيطلب ويقهر ، بل الظاهر منها أنه يتنبأ برفعه ، وترى أظهر من ذلك القول المنسوب إلى المسيح عليه السلام في نفس الإنجيل وهو قول موجه لليهود الذين أتوا ليلقوا القبض عليه وترجمته : " أنا معكم زمانا يسيرا ثم أمضي إلى الذي أرسلني ، ستطلبونني ولا تجدونني وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا " (يو 7 : 33) .وبجانب ذلك فإن قوله : " ستطلبونني ولا تجدونني وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا " فظاهر معناه أنه لم يصلب ولم يدفن وإنما رفعه الله إليه .وانظر كذلك إلى القول المنسوب إلى المسيح في إنجيل يوحنا ، والموجه لبطرس والذي ترجمته : " حيث أذهب لا تقدر الآن أن تتبعني ولكن ستتبعني أخيرا " (يو 13 : 36) ، وحقيقته أن أحدا لا يستطيع أن يرفع إلى الله تعالى إذ أن المسيح عليه السلام هو الذي اختصه الله تعالى بالرفع .

ي – ثبوت كون المصلوب غير المسيح عليه السلام قطعا :
وسأذكر هنا الأدلة القاطعة التي تثبت كون المصلوب لا يمكن أن يكون هو المسيح عليه السلام وذلك لأن :
- المصلوب ملعون والمسيح عليه السلام لا تليق به اللعنة :
فقد شهدت الكتب المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم أن المصلوب ملعون من الله تعالى ، وذلك بقولها في سفر التثنية ما ترجمته : " لأن المعلق ملعون من الله " (تثنية 21 : 23) والمسيحيون يدعون أن المسيح عليه السلام طلب الصلب وقبل اللعنة من أجلهم.ومن الغريب أنهم يدعون أن المسيح عليه السلام هو الله (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ، فهل يلعن الله نفسه ؟! واللعن كما هو معروف الطرد من رحمة الله تعالى .وحيث أنه غير جائز قطعا أن يكون المسيح عليه السلام ملعونا ، فالمعلق ولا شك سواه .
- وأن بطرس قد حلف أنه لا يعرف المصلوب :
جاء في إنجيل متى أن بطرس رئيس الحواريين ، كان يحلف أنه لا يعرف المصلوب ، فقد سألته امرأة عن المقبوض عليه " فأنكر أيضا بقسم إني لست أعرف الرجل ، وبعد قليل جاء الرجال القيام وقالوا لبطرس حقا أنت أيضا منهم ، فإن لغتك تظهرك فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف إني لا أعرف الرجل " (متى 26 : 72) .ولا يستطيع أن ينكر مسيحي أن بطرس رئيس الحواريين كان صادقا حين أقسم أنه لا يعرف المصلوب ، وإننا نتهم بطرس باطلا بعدم الإيمان إذا قلنا إن سيده يسوع يهان على الصليب وهو يتهرب ، ويخاف من الناس ويحلف كذبا ، مع ما له من السلطة العظيمة التي أعطاها إياه المسيح ، من استطاعته نقل الجبال من أماكنها ، وعمل المستحيلات ، كما بينا في معجزات التلاميذ في المبحث الأول من هذا الكتاب (راجع أعمال الإصحاح الخامس... الخ) .وبما أن بطرس لا يجوز مطلقا أن يحلف كذبا لأنه كان أكثر حواري المسيح عليه السلام ورعا ، فهو إذن صادق ، ويكون المصلوب لا يعرفه بطرس ، ولزم أن يكون غير المسيح عليه السلام .

- وأن المصلوب قد أنكر أنه المسيح عليه السلام :
جاء في الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم أن رئيس الكهنة سأل المصلوب قبل تنفيذ الحكم : " وقال له أستحلفك بالله الحي أن تقول هل أنت المسيح ابن الله ؟ قال له يسوع أنت قلت " (متى 26 : 63) إن قول المصلوب : " أنت قلت " إنكار لا شك فيه ، ولو كان كما يزعمون هو المسيح عليه السلام ، لما وسعه إلا الجواب الصريح ، سيما ورئيس الكهنة يستحلفه بالله تعالى ، فهل لا يأبه المسيح عليه السلام بالله العظيم ؟! إن إنكار المصلوب كونه المسيح عليه السلام بعد القسم عليه ، لدليل لا شك فيه على كونه غيره- لا يمكن لنبي أن يتهم نبيا بالتحريف أو أن يحكم عليه بالصلب :يدعي إنجيل يوحنا أن (قيافا) رئيس الكهنة اليهود كان نبيا (يوحنا 11 : 49-15) .. فكيف يهين النبي ابن مريم ، ويتهمه بالتجديف ، ويدع الناس ليبصقوا في وجهه ، ويلكموه ، ويلطموه ، ويستهزئون به " قائلين تنبا لنا أيها المسيح من ضربك ؟ " (متى 26 : 65-68) .
- إذا كان الأشرار كفارة لخطايا الأبرار كما يدعو فلا يمكن أن يكون نبي الله تعالى عيسى عليه السلام كفارة للبشر :
جاء في سفر أمثال (2 : 18) ما ترجمته : " الأشرار يكونون كفارة لخطايا الأبرار " ولا يمكن لعاقل التسليم بأن يكون المسيح عليه السلام كفارة لخطايا الأبرار فيصبح شريرا وهو نبي الله تعالى المرسل ، ومن ثم فلا يمكن أن يكون المصلوب هو المسيح عليه السلام .

ك – ثبوت أن المدفون هو غير المسيح عليه السلام :
لقد ذهب كاتبو الأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم إلى سرد قصة الصلب بهذا التفكك والانحلال ، وذلك رواية كما قلنا عن العامة من اليهود ، أو عن الذين لم يحضروا عملية الصلب ، واستمرت الإشاعة حتى قدست واعتبرها المتأخرون من أصول الإيمان .وتجدهم يستدلون على دفن المسيح عليه السلام ، بما نسبوه إليه في إنجيل متى من قوله للكتبة والفريسيين عندما سألوه أن يأتي لهم بمعجزة فرد عليهم بما ترجمته : " جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية النبي لأنه كما لبث يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال " (متى 12 : 40،39) .ويقولون أنه يعني بذلك دفنه ثلاثة أيام وثلاث ليال ، وخروجه بعدها بمعجزة لهم كمعجزة يونان (يونس) إذ لبث في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال ، ويفسره ما جاء في إنجيل متى من حديث على لسان رؤساء الكهنة اليهود والفريسيين موجه إلى بيلاطس عن قيامة المسيح عليه السلام مما ترجمته : " أن ذلك المضل قال وهو حي إني بعد ثلاثة أيام أقوم " (متى 27 : 63) .

ولكننا نقول إن الإشارة إلى معجزة يونان النبي عليه السلام لم تكن كروايتهم أو على الأقل لا يقصد المسيح عليه السلام أن يشير بها إلى دفنه مطلقا ، إذ أننا لو راجعنا الأناجيل المحرفة التي يؤمنون بها لا نجد في روايتهم أن المصلوب دفن ثلاثة أيام وثلاث ليال ، بل يؤخذ من كتبهم أنه ما مكث في قبره سوى يوم واحد وليلتين .فقد جاء في إنجيل يوحنا (19) أنه صلب قريبا من نصف نهار يوم الجمعة وذكر إنجيل مرقص (15 : 34) أنه مات الساعة التاسعة ، وأنه في مساء اليوم نفسه طلب يوسف من بيلاطس أن يسمح له بدفنه (مرقص 15 : 42-46) فدفن صباح السبت ، ويقول إنجيل يوحنا (20 : 1) أن المصلوب غاب عن القبر قبل طلوع شمس يوم الأحد ، وبذلك مكث المدفون في قبره يوما وليلتين ، لا ثلاثة أيام وثلاث ليال ، ويكون الاستدلال بآية يونان على دفن المسيح عليه السلام استدلالا باطلا .

غ – الخلاصة وثبوت رفع المسيح عليه السلام :
وهكذا ترى التناقض الغريب في حكاية الصلب حسب رواية الأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم ، وإن الاختلاف الشديد في رواية كل من إنجيل متى ومرقص ولوقا ويوحنا في رواية هذه الحادثة ، يجعل ناشد الحقيقة يشك في أقوالهم جملة ، ويود لو يبرئ ابن مريم مما ينسبونه للمصلوب من الضعف ، والعجز ، واليأس ، وخور العزيمة ، بل لا يكاد أحد يتصور أن المسيح الذي كان يصوم ويتحمل الصبر عن المأكل والمشرب ، ويقضي الأسابيع لا ينال فتات العيش ، يملكه الظمأ وهو على خشبة الصلب ، ويطلب من أعدائه أن يسقوه (يو 19 : 28) وهو الذي طالما كان يقول : " أن لي خبزا لستم تعرفونه " بمعنى أن الله تعالى يطعمه ويسقيه .

ولقد أتينا بالأدلة القاطعة على أن المصلوب هو غير المسيح عليه السلام ، وإن وقوع الشبه على غير ابن مريم ، لهو أقرب إلى العقل من وقوع شبه الله – الذي ليس كمثله شيء – على أحد من عباده ، وكيف يدعون أن المسيح عليه السلام سلم نفسه لأعدائه ليهان تلك الإهانة التي بيناها ، مع كون كتبهم تثبت أن المصلوب كان مرغما ، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، حتى كان يصيح على الصليب قائلا : " إلهي إلهي لماذا تركتني " ، وإن أصر متعنت على كون المصلوب هو المسيح عليه السلام ، بعد إيراد كل هذه الأدلة القاطعة ، وادعى أن شرط دخول الجنة هو الإيمان بصلب المسيح ، فإني أتحدى مدعي ذلك بقولي له إن شرط الإيمان في إنجيل مرقص هو ما ترجمته : " وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين باسمي ويتكلمون بألسنة جديدة يحملون حيات وإن شربوا شيئا مميتا لا يضرهم ، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون " (مرقص 16 : 18،17) .

فمن من الذين يؤمنون بالصلب ، يتاح له فعل ذلك ؟ إن الذي يدعي أنه مؤمن ، وأن المصلوب هو المسيح عليه السلام ، لزمه عمل المعجزات ، وإلا فإيمانه هو إيمان باطل ، والمصلوب هو غير ابن مريم عليهما السلام ، بل لقد ثبت في الأناجيل المزورة التي يؤمن بها المسيحيون أن المسيح عليه السلام رآه تلاميذه بعد حادثة الصلب ، وكان ذلك بهيئة أخرى غير هيئته الأولى كما قدمنا ، ولقد ثبت كذلك رفعه إلى السماء كما ورد في إنجيل لوقا (24 : 51،50) مما ترجمته : " وأخرجهم خارجا إلى بيت عنبا ورفع يديه وباركهم وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وأصعد إلى السماء " .وصدق الله العظيم الذي يصف غيبة عيسى عليه السلام عن هذه الأرض بقوله عز من قائل : (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (النساء:158) .