حقيقة المسيح8


المبحث الرابع

دعاوى عقيدة التثليث الباطلة:-
في الرد على شرك نصارى اليوم وادعائهم الباطل بالتثليث وكذبهم على المسيح عليه السلام بادعاء ألوهية باطلة له يقول الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه : ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً * مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ (الكهف:5،4) .
ويقول عز من قائل : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾  (هود:18) .
وفي هذا المبحث سنقسم الكلام إلى ثلاثة أقسام : الأول نتكلم فيه عن الأقانيم الثلاث ، والثاني نذكر فيه لمحة عن مجمع نيقية العام الذي تقررت فيه المبادئ التي تسير عليها كنائس اليوم ، والثالث نبين فيه أصل عقيدة التثليث ، والمصدر الذي أخذها عنه أصحاب المجمع المذكور .
أولا : دعوى الأقانيم الثلاث وعقيدة التثليث :
يذهب المسيحيون إلى كون إلههم عبارة عن ثلاثة أقانيم ممتازة امتيازا حقيقيا ، ويسمونها الآب والإبن والروح القدس ، ويصفونهم هكذا .
الآب : هو الأقنوم الأول ، وهو والد الأقنوم الثاني ، وهم مكون الكائنات .
الإبن : هو الأقنوم الثاني ، وهو ولد الأقنوم الأول ، وهو المخلص من الخطية .
الروح القدس : وهو الأقنوم الثالث ، ويصدر عن ركني التثليث الآخرين بصورة دائمة وأبدية ، وهو معطي الحياة .
ويقولون أن هذه الثلاثة أقانيم شيء واحد .
وليس للمسيحين من دليل على التثليث يستطيعون أن يظهروه مطلقا ، فقد فرض عليهم بواسطة مجمع نيقية كما سيأتي بيان ذلك في القسم الثاني ، وليس لديهم في الأناجيل الحالية المحرفة لتخدم قضية التثليث إلا قولا واحدا في إنجيل يوحنا (5 : 7) يتخذونه دليلا على التثليث وترجمته : " فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة : الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد ، والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم في الواحد " .
بينما توجد أدلة كثيرة على التوحيد كما سنبين ذلك فيما بعد .
هل تجد هنالك ثمة انسجام في هذا القول الذي أورده ما يسمى بإنجيل يوحنا ؟! بل انظر إلى تفكك المعنى وتباين المرمى وانظر إلى العلاقة المعدومة بين هؤلاء الشهود في السماء وهؤلاء الشهود في الأرض .
إن الفقرة التي تشير إلى التثليث في الكلام السابق يشهد بتحريفها علماؤهم المشهورون ، وإن جمهور علماء البروتستانت يقولون إن هذه الجملة " في السماء ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد والذين يشهدون في الأرض ... " إلحاقية محرفة ويشهد بذلك (هون) وهو العالم المسيحي المشهور بتعصبه الديني ، كما يشهد بتحريفها جامعو تفسير (هنري واسكات) وتفسير (آدم كلارك) وكذلك يميل بإلحاقيتها (إكستاين) أشهر علماء أهل التثليث في القرن الرابع للميلاد وكثيرون غيره كذلك .
ولقد لخص حضرة العلامة رحمه الله الهندي – عن جامعي تفسير (هنري واسكات) – الأدلة التي يأخذ بها هورن وغيره في كون هذه العبارة دخيلة على الإنجيل وهذه الأدلة هي :
1 – إن هذه العبارة لا توجد في أية نسخة من النسخ اليونانية العديدة التي كتبت قبل القرن السادس عشر .
2 – أنها لا توجد في النسخ التي طبعت قديما على كثرتها .
3 – أنها لا توجد في أي ترجمة من التراجم القديمة غير اللاتينية .
4 – أنها لا توجد في معظم النسخ اللاتينية القديمة .
5 – أنها لم يتمسك بها أحد من القدماء ومؤرخي الكنيسة .
6 – إن أئمة البروتستانت قد أسقطوها من كتبهم ووضع بعضهم عليها علامة الشك ، وأثبت أنها إلحاقية محرفة .
ولعل القارئ بعد أن اطلع على ذلك لا يستغرب كم التحريف في الأناجيل المعاصرة ، ومثله ما ذكره قاموس الكتاب المقدس للدكتور (جورج بوست) الأمريكي أن الآيات من (9-20) من الإصحاح السادس عشر من إنجيل مرقص لم تكن في النسخ القديمة من ذلك الإنجيل بل أضيفت إليه فيما بعد ، وبعض هذا يثبت أن ما يستندون عليه في دعواهم واه ولا حقيقة له ، ويرد عليهم القرآن الكريم بقول الحق تبارك وتعالى : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ (النساء:171) .
ثانيا : الأدلة الدامغة على بطلان عقيدة التثليث :
1 – منافاة عقيدة التثليث للعقل :
يرفض كل عقل سوي أن يكون الابن ابنا لنفسه ، وفي الوقت ذاته أبا لنفسه ، لأن هذا عين المحال ، ومن هنا يسقط الادعاء بعقيدة التثليث التي تنادي بأن يكون لكل أقنوم وظيفة خاصة به ، وصفة تلازمه لا يتصف بها غيره ، ولا يكون لأيهم صفة الألوهية منفردا ، بل يكون كل منهم ناقصا حتى ينضم إليه الأقنومان الآخران والتركيب في ذات الله تعالى محال كما تقدم في (دليل عدم ألوهية المسيح) لأن المركب يحتاج إلى كل جزء من أجزائه فيكون حادثا ، والله تعالى أزلي أبدي لا يحده الزمان لأنه خالق الزمان ومبدعه ، فهو الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية .
ثم مادام الآب هو مكون الكائنات ، والابن هو مخلص ، والروح القدس هو معطي الحياة ، فيكون الآب عاجزا عن التخليص وعن إعطاء الحياة ، ويكون المخلص عاجزا عن تكوين الكائنات وإعطائها الحياة ، ويكون الروح القدس عاجزا عن تكوين الكائنات وتخليصها ، وأن يتكون الله تعالى من أقانيم عاجزة (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) لهو عين الوهم والمحال ، وعين الجرأة في الحديث عن الله تعالى بغير علم ، وهو كفر وتجديف وتزييف لا يمكن لعاقل أن يقبله .
ويصف الحق تبارك وتعالى الواقعين في هذا الشرك بقوله : ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ (لنجم:28) .
ألا ترى أنه لو كان في الوجود إلهان لأمكن أن واحدا يريد أن يفعل شيئا والآخر لا يريد ذلك ، أو كلاهما يتفق في الإرادة جميعا ، أو تكمل فقط إرادة أحدهما خصوصا ولا تكمل إرادة الآخر ، والقول الأول محال ، إذ يكون في إرادتيهما تضاد فينفي الواحد ما أثبت الآخر ، والثاني أيضا محال لأن إرادة الواحد مقيدة بإرادة الآخر ، والثالث باطل أيضا لأن الذي يطلب إرادته ليس إلها وأما الآخر فيكون وحده الإله ، وقد قال تعالى : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء:22) .
2 – عقيدة التثليث لم يقل بها أي من الأنبياء أو الرسل السابقين والمعتبرين عند كل من اليهود والنصارى :
فلو فرضنا أن عقيدة التثليث هي مدار النجاة عندهم ، فكيف خفي ذلك على كل من آدم ونوح وإبراهيم عليهم السلام ؟ بل كيف خفي على كل من إسحق ويعقوب وباقي أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام ؟ إن هؤلاء جميعا لم يرد عنهم إلا ما يدل على التوحيد الخالص ، فقد نزهوا الله تعالى عن الشرك ، وعما لا يليق به من الصفات، وحذروا من القول على الله تعالى بغير علم ، وقاوموا كل ذلك ووقفوا ضده ، فمن ذلك ما جاء في العهد القديم مما ترجمته : " اسمع يا إسرائيل : الرب إلهنا رب واحد فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك ولتكن هذه الكلمات التي أوصيك بها اليوم على قلبك وقصها على أولادك وتكلم بها حين تجلي في بيتك وحين تمشي في الطريق وحين تقوم ، واربطها علامة على يدك ولتكن عصائب بين عينيك واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك " (تثنية 6 : 4-8) .
3 – المسيح عليه السلام يشهد أنه لا إله إلا الله :
إن التثليث لم يخطر ببال ابن مريم مطلقا ، وإذا رجعنا إلى الأقوال المنسوبة إلى المسيح عليه السلام في الأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم لا نجده إلا مؤمنا داعيا للتوحيد الحقيقي وحده ، مثل ذلك ما ورد في إنجيل متى على لسان المسيح عليه السلام من قوله لإبليس : " لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد " (متى 4 : 10) وهو ما يشبه قول المسلمين : " لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه " .
ولو كان هنالك ثلاثة أقانيم لقال المسيح لإبليس : " للثلاثة أقانيم آلهتك تسجد وإياهم وحدهم تعبد " أو أشار إلى هذه الأقانيم بأقل إشارة .
لقد روى إنجيل مرقص أن عيسى عليه السلام كان يعلم اليهود " فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأى أنه أجابهم حسنا سأله أية وصية هي أول الكل ؟ فأجاب يسوع إن أول الوصايا هي اسمع يا إسرائيل : الرب إلهنا رب واحد وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك هذه الوصية الأولى " ، " فقال له الكابت جيدا يا معلم بالحق قلت لأن الله واحد وليس آخر سواه " فلما رآه يسوع أجاب بعقل قال " لست بعيدا عن ملكوت الله " (مرقص 12 : 28-34)
إن المسيح عليه السلام في مقام التعليم والإرشاد ولما سأله اليهودي عن أول الوصايا أجابه أنها الإيمان بالتوحيد الحقيقي ، وبالرغم من ذلك نجد المسيحيين يشركون بالله تعالى ، ويدعون أن أول الوصايا هي الإيمان بأن الله ثلاثة أقانيم ممتازة امتيازا حقيقيا وأن كل أقنوم له عمل خاص به .
ألا ترى أن المسيح عليه السلام يقول :
" الرب إلهنا رب واحد " ولم يقل أبدا : " أنا إلهكم رب واحد وثلاثة أقانيم " بل اعترف بأن الله تعالى هو إلهه وأنه تعالى إله واحد بلا شريك ؟
ألا ترى أن المسيح عليه السلام قد سر من اليهودي وشهد أنه أجاب بعقل حين شهد معه " أن الله واحد وليس آخر سواه " ؟
ألا تجد أنه من الغريب أن تكون أول الوصايا في كتبهم حتى بعد تحريفها – بشهادة المسيح عليه السلام نفسه – هي " لا إله إلا الله " التي هي نفس أول الوصايا في الإسلام ؟
4 – المسيح عليه السلام يشهد أنه رسول الله كسائر الرسل :
يذكر إنجيل متى على لسان السيد المسيح عليه السلام قولا ترجمته : " لا تدعو سيدي لأن معلمكم واحد المسيح وأنتم جميعا أخوة ، ولا تدعو لك أبا – إلها – على الأرض لأن أباكم – إلهكم – واحد الذي في السماوات ، ولا تدعو معلمين لأن معلمكم واحد المسيح " (متى 23 : 8) .
ومن ذلك نرى أن المسيح عليه السلام في هذه العبارة المنسوبة إليه يقول : " ولا تدعو لكم أبا " أي إلها " على الأرض " أي متجسدا على الأرض أو حالا في جسد أرضي لأن أباكم " إلهكم " واحد لا شريك له وهو " الذي في السماوات " العلي العظيم .
وترى كيف يشهد عيسى عليه السلام كذلك مكررا أنه هو المعلم أي الرسول الذي أرسله الله ليعلمهم كباقي الرسل الكرام ، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:80،79)
ويذكر إنجيل يوحنا حقيقة نبوة المسيح عليه السلام في مواضع كثيرة منها العبارة التي ترجمتها : " ألا ترى أن الناس لما رأوا الآية التي صنعها يسوع قالوا إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم " (يوحنا 6 : 14) .
ومنها قوله المنسوب إلى ابن مريم عليهما السلام والذي ترجمته : " وهذه هي الحياة الأبدية : أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ، وأن يسوع الذي أرسلته ... " (يوحنا 17 : 3) .

وهكذا لم يقل المسيح عليه السلام : " إن الحياة الأبدية أن يعرفوكم أنكم ثلاثة أقانيم ممتازة امتيازا حقيقيا وأنكم جميعا واحد " أو " إن الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله المكون من ثلاثة أقانيم الآب والابن والروح القدس ... الخ " " وأن يسوع إله وإنسان أو إله مجسم أو هو الأقنوم الثاني ... الخ " .
بل لقد شهد المسيح عليه السلام أن " الحياة الأبدية هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن يسوع رسول الله " وهو عين ما يؤمن به المسلمون جميعا .
وحيث أن الحياة الأبدية حسب قول المسيح عليه السلام هي التوحيد الحقيقي فيكون التثليث هو الموت الأبدي والشرك والضلال ، وفي ذلك قال تعالى : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة:73،72) .
5 – التباين الشائع في تعريف الروح القدس عند المسيحيين ينفي فكرة التثليث ويهدمها من أساسها :
يدعي المسيحيون أن الروح القدس هو الله جل شأنه ، ويزعمون في الوقت عينه أنه الأقنوم الثالث من الثالوث ، وأنه هو معطي الحياة ، كما يدعون أن الروح القدس يستطيع الحلول والاتحاد بأي امرئ من أتقياء المسيحيين فيزعمون أنه حل في التلاميذ وحل في بولس وأصحابه ، بل يزعمون أيضا أنه يحل في جميع القسس والرهبان ورؤساء الكنيسة والباباوات ، ويعتقد أصحاب كل مذهب من المذاهب وأهل كل فرقة من الفرق المسيحية المتعددة أن الروح القدس المذكور لا يحل إلا في رجال دين فرقتها دون رجال باقي المذاهب والفرق الأخرى ، فهل يمكن أن يكون الروح القدس بهذا الفهم إلها أو جزءا من إله ؟
أما هيئة روح القدس عندهم وكيفية حلوله في التلاميذ فيبينه ما جاء في سفر أعمال (2 : 1-4) والذي ترجمته : " ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع بنفس واحد وصار بغتة من السماء وصوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسن وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت في مكان واحد وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا " .
هذا الوصف الخيالي المحض الذي لا يمكن لعقل سوي أن يقبله يقول المسيحيون أنه من عند الله ، ويدعون أن هذا الكلام كلامه تعالى ، وليت شعري كيف لم يكفهم جعل الله إنسانا ، فجعلوه بعد ذلك ألسنة من نار ، إن هذه الألسنة النارية هي في اعتقادهم روح القدس الذي هو الأقنوم الثالث !! وحسب نظريتهم أن الثلاثة في الواحد فتكون هذه الألسنة المنقسمة هي الآب والابن والروح القدس ، فهل حلت أقانيم الآب الابن والروح القدس في التلاميذ كما حلت في اعتقادهم في جسد المسيح عليه السلام ، إذا كان الأمر كذلك يكون المسيح عليه السلام كسائر التلاميذ سواء بسواء من حيث بشريته المحضة ومن حيث حلول الروح فيهم جميعا .
إني لأعجب كيف يجعلون الله جل وعلا ألسنة منقسمة من نار ؟ وهل ينقسم الله إلى آب وابن وروح قدس وينقسم كذلك إلى أقسام كثيرة تحل في التلاميذ ؟ وهل يتشكل الله تعالى بأشكال كثيرة فمرة يتشكل بإنسان وأخرى يتخذ شكل ألسنة نارية منقسمة إلى أقسام عديدة ؟!
إن الله تعالى لا يمكن أن يرى في الدنيا ولا حتى الأناجيل المحرفة الموجودة بين أيدي نصارى اليوم تعترف بذلك حيث يذكر إنجيل يوحنا ما نصه : " الله لم يره أحد قط " (يوحنا 1 : 18) وجاء كذلك في كتبهم أن الله " لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه " (تيمو 6 : 16) ، فكيف يرون الله بهذه الهيئة الغريبة ؟ وهو جل شأنه يصف ذاته العلية بكونه تعالى : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام:103) .
لقد قيل أن الذي ظهر للتلاميذ ما هو إلا عفريت من الجن ظهر لهم بغتة فأدهشهم وعبث بعقولهم حتى صاروا يهذون كمن مسه عارض من الجن ، ولعل من قال ذلك استشهد بما ورد في رسالة يعقوب James (يعقوب 4 : 5) والذي ترجمته : " الروح الذي حل فينا يشتاق إلى الشهوات الجارفة " أي أن الروح الذي حل فيهم هو الشيطان لا سواه .
ولا يفوتني أن أذكر أن للروح القدس عندهم شكلا آخر كذلك بجانب الشكل الذي ذكرناه ، وهذا الشكل الآخر هو (الحمامة) ، فإنهم يقولون إن الروح القدس " الذي هو في الوقت عينه الآب والابن " يتشكل كذلك بشكل حمامة (إنجيل متى 3 : 16) ، فهل فكر المسيحيون قبل أن يزعموا أن الله تعالى يتشكل بهذه الأشكال الغريبة ؟!
وإذا كان الروح القدس هو الذي حل في التلاميذ " وهو في الوقت نفسه الله على زعمهم " ، فما بال هذا التناقض في روايات الأناجيل ؟ وكيف يوحي الروح القدس إلى أحد الناس بما يخالف ما يوحيه للآخر ؟ هل يصح أن يوحي الروح القدس إلى متى ما يناقض ما أوحاه إلى لوقا أو إلى مرقص ، ويوحي إلى يوحنا ما يخالفهم جميعا ، ثم يوحي إلى بولس ما يخالف الآخرين ، وهكذا دواليك ؟!
ويقولون إن الروح القدس يحل في أتباع الكنيسة ورؤسائها ، فما بال رؤسائهم قد حاروا في أمر هذه الكتب ، ولم يستطيعوا أن يردوا الأمر إلى نصابه فيطبعون كتبهم خالية من الأغلاط والمتناقضات العديدة التي حار فيها علماؤهم ومؤرخوهم كما قدمنا ؟
وهنالك خطأ ظاهر للروح القدس الحال في بولس إذ شتم رئيس كهنة الله ، وحين لاموه على ذلك قال : " لم أكن أعرف أيها الأخوة أنه رئيس كهنة الله لأنه مكتوب : رئيس شعبك لا تقل فيه سواءا " (أعمال 23 : 5) .
فهل يخطئ الله تعالى ، وهو الحال في بولس كما يزعمون ؟!
إنهم يزعمون أن الروح القدس أو الله جل وعلا يحل فيهم وذلك استنادا إلى القول الباطل الذي نسبوه زورا إلى المسيح عليه السلام والذي ترجمته : " ومتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون لأنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به لأنكم لستم المتكلمين بل الذي يتكلم فيكم روح أبيكم " (إنجيل متى 10 : 19) .
ثالثا : مجمع نيقية وابتداع عقيدة التثليث :
سنذكر في هذا القسم كيف ومتى ابتدأ المسيحيون في تجميع الروايات التي كتبت عن المسيح ، وسنبين كيف اختاروا الكتب المتداولة بينهم اليوم ، وسنظهر الظروف التي جعلتهم يختارون تلك الأسفار دون سواها من المؤلفات التي كانت وقتئذ بين أيديهم ، وسنشرح بعد ذلك النتائج التي وصلوا إليها بعد هذا الاختيار .
1 – مجمع نيقية :
لبث المسيحيون أكثر من ثلاثة قرون وليس لهم كتاب يتفقون عليه ، وليس لديهم نظام ديني خاص يتبعونه ، ولم يبدأ المسيحيون في جمع شمل أنفسهم إلا في أوائل القرن الرابع من الميلاد ، فقد اجتمع أكثر من ألف رئيس ديني منهم 118 أسقفا في نيقية وهي مدينة في تركيا تعرف اليوم باسم إزنيك ، وعقدوا مؤتمرا عاما أسموه (مجمع نيقية العام) لينظروا في الأناجيل المختلفة التي بين أيديهم ، والتي كان عددها يزيد عن خمسة آلاف إنجيل مختلف ، وليبحثوا الرسائل والكتب التي لا عدد لها الموزعة في مختلف بقاع العالم ، وذلك لعلهم يستخلصون من بين هذه الكتب كلها ما يغلب على ظنهم صحتها ، والتي قد توحد وجهتهم .
وانعقد مجمع نيقية العام في الفترة من 19/6 إلى 25/8 سنة 325م ، فانقسم الأعضاء إلى فريقين : الأول كان برئاسة (آريوس) رئيس الموحدين الذي كان يرى أن المسيح عليه السلام مخلوق وأنه عبد اللهتعالى وأن الآيات والمحررات القديمة التي يدعى أنها تؤيد التثليث وتجسد المسيح عليه السلام محرفة وزائفة .
وأما الفريق الثاني فقد كان على رأسه الشماس (أثاناثيوس أو أثناسيوس) الشاب الذي صار بطريركا على الإسكندرية بعد ذلك والذي كان يدعي أن المسيح إله تام وأنه متحد الجوهر .
وكان من الطبيعي أن يتنازع الفريقان ويشتد بينهما الخلاف ، ولقد ذكر المؤرخان المشهوران (سقراط) و(سوذينون) أن الآباء الروحانيين نسوا جميعا سبب اجتماعهم ، فتشاتموا ، وتنابذوا بالألقاب ، وأظهر كل منهم مساوئ خصمه ، واتسعت بينهم شقة الخلاف حتى تضاربوا ، فتدخل حينئذ الإمبراطور قسطنطين في الأمر وذلك بعد أن تبطن رأي صديقه ومواطنه البابا ، وقد كان الإمبراطور (قسطنطين) وثنيا ، وقد روى عنه صديقه (أبوسيبوس) بسقيوس قيصرية أنه لم ينتصر إلا قبيل وفاته وهو أسير الفراش .
وكان طبيعيا كذلك أن ينتصر الإمبراطور للفريق الأقرب إلى مبادئه ، فطرد ما ينوف عدده على السبعمائة من الرؤساء الروحانيين الموحدين من المجمع ، وكانوا يمثلون غالبية أعضائه ، ونفى كثيرا منهم إلى خارج البلاد ، ثم قتل رئيسهم (آريوس) مع كثيرين منهم انتقاما لموقفهم المعارض لحرف رسالة ابن مريم عن مسارها الصحيح وصدق الله العظيم الذي يقول : ﴿مَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ البروج:8) .
وهكذا تحققت النبوءة التي ينسبها إنجيل يوحنا إلى السيد المسيح عليه السلام بقوله : " سيخرجونكم من المجامع بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله وسيفعلون هذا لكم لأنهم لم يعرفوا الآب ولا عرفوني " (يوحنا 16 : 2) .