حقيقة المسيح7


ثانيا : من الأدلة القاطعة على نفي الادعاء الباطل بألوهية المسيح :
1 – تفرق المسيحيين في وصف طبيعة المسيح عليه السلام : قبل أن نتكلم في هذا الموضوع ، وقبل أن نذكر الأدلة الصارخة التي تنطق بعدم إمكان الألوهية لبشر ، ونأتي بالبراهين القاطعة التي تنزه الله سبحانه وتعالى عن كل وصف من أوصاف خلقه ، نذكر شيئا من اعتقاد المسيحيين في ماهية ابن مريم وتباين تلك الاعتقادات عند أكبر الفرق المسيحية فيما يتعلق بعيسى عليه السلام وفهم طبيعته ، ونجد أن هذا التباين في حد ذاته من أكبر الأدلة على نفي صفة الألوهية عن ابن مريم عليهما السلام وتتباين أكبر الفرق المسيحية في ذلك على النحو التالي :
أ – الفرقة الملكانية [Malakanism (Royalism=Catholicism)] :
وهي تزعم أن المسيح إله تام كله وإنسان تام كله ، ليس أحدهما غير الآخر ، وأن الإنسان منه هو الذي صلب وقتل ، وأن الإله منه لم ينله شيء من ذلك ، وأن مريم ولدت الإله والإنسان وأنهما معا شيء واحد (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) .
ب – الفرقة النسطورية [Nasturians (Nasturism)] :
وهذه الفرقة تنسب إلى (نسطور) بطريرك القسطنطينية ، وتزعم كسابقتها أن المسيح عليه السلام له طبيعتان ، ولكنها تقول إن مريم ولدت الإنسان ولم تلد الله ، وإن الله تعالى لم يلد الإنسان وولد الإله (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ، ويرد عليهم القرآن الكريم مكذبا إياهم في ذلك المنكر الذي يدعون فيقول الحق تبارك وتعالى : ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ (يونس:69،68) .
ج – الفرقة اليعقوبية [Jacobites (Jacobism)(Orthodoxism)] :
وهي تنسب إلى يعقوب البردعاني الذي كان راهبا في كنيسة بالقسطنطينية ، وتزعم أن المسيح بجملته المركبة هو الله ، ويقول تعالى في نفي هذا المنكر من القول : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة:17) .
د – الفرقة الموحدة [The Unitarian Group (Unitarianism)] :
وهذه الفرقة تقول بوحدانية الله تعالى ، وتقول برسالة ابن مريم ، وأن المسيح عليه السلام هو رسوله ولا يمكن أن يكون غير ذلك ، مع كثير من الخلط في المفاهيم نظرا لتكدس الخرافات وتعدد المداخلات البشرية والأساطير وهذه الفرقة تضم عددا من عقلاء المسيحيين وفلاسفتهم .
ومن هذه الفرقة الفيلسوف (تولستوي) الذي يعتبره الألمان أكبر فيلسوف أنجبه القرن العشرين ، ولتولستوي هذا إنجيل خاص به ، مترجم إلى أكثر اللغات ، ومنها العربية ، وقد اجتهد هذا الرجل أن يجمع في هذا الإنجيل كل ما يعتقده صحيحا ، وقد حذف ما أداه بحثه إلى كونه دخيلا محرفا ، ولم يعتبر الرسائل البتة ، ولام الرؤساء الدينيين لتشويههم حقيقة المسيحية واختيارهم كتبا تعارض الدين الصحيح ، فتراه يقول في مقدمته : " لا ندري السر في اختيار الكنيسة هذا العدد من الكتب وتفضيلها إياه على غيره واعتباره مقدسا منزلا دون سواه مع كون جميع الأشخاص الذين كتبوها هم في نظرها رجال قديسون " وأضاف : " ويا ليت الكنيسة عند اختيارها لتلك الكتب أوضحت للناس هذا التفضيل فبينت إذ ذاك ما وجدته من الخطأ في الكتب التي لم تعتبرها موحى بها " إلى أن قال : " إن الكنيسة أخطأت خطأ لا يغتفر في اختيارها بعض الكتب ورفضها الأخرى واجتهادها بعد ذلك التقسيم أن تؤيد أن ما اختارته منها هو الصحيح المنزل الموحى به من الروح القدس ، معتبرة كل حكمة واردة فيها من السماء لا تحول ولا تزول ، ولو تبصرت قليلا لأدركت بداهة بأن ما عملته أفسد وأضر ما اختارته منها بإضافتها إليها التقاليد المتباينة المعنى ، المتضاربة المغزى بين بيضاء وصفراء وزرقاء أعني أن بعض تلك التقاليد في اعتقادها مفيد والبعض الآخر ذو تعليم سام وقد وضعت عليها كلها ختم العصمة من الخطأ ، وبذلك حرمت على نفسها الحق في إيضاح غامضها ، وحذف ما لا يوافق منها ، ولكنها لم تفعل ولن تفعل شيئا من ذلك مادامت هذه حالها ، إن كل شيء في نظرها مقدس سماوي كالعجائب وأعمال الرسل وآراء بولس الرسول في شأن الخطيئة والعذاب والثواب ، وهذيان الرسل في رسالاتهم ، وخرافات يوحنا اللاهوتي في رؤياه " إلى أن قال : " كان على الكنيسة قبل اختيارها هذه الكتب أن تدرسها درسا وافيا وتحذف منها ما يدعو إلى الانتقاد والشك ولكنها لجأت إلى الكلام حتى اضطرت أن ترفض كثيرا من السفار وبعض فصول من أعمال الرسل ورسائلهم التي لو طالعها المرء بإمعان لوجدها أقرب إلى الغش والخيانة منها إلى التعليم .
هـ – باقي الفرق المسيحية :
وأما باقي الفرق المسيحية فيزيد عددها على 72 فرقة يتشعب كل منها إلى مذاهب لا حصر لها، وأهم هذه الفرق : فرقة تقول بألوهية المسيح وأمه مريم عليهما السلام كليهما ، ويرد القرآن الكريم على هذه الفرية الكبرى بقول الحق تبارك وتعالى : ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة:117،116) .
ولسهولة بسط هذه الآراء وبحثها ، نقسم الكلام فيها إلى شعبتين ، أما في الشعبة الأولى فسنأتي بالدليل العقلي على عدم إمكان ألوهية المسيح عليه السلام ، وأما في الشعبة الثانية فنستشهد بالأقوال المنسوبة إلى عيسى عليه السلام في الأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم ، والتي ينفي بها هذه الدعوى ، ويبرئ نفسه مما ألصقه به بولس وأتباعه بدون دليل أو سند منطقي واحد .
2 – الدليل العقلي على نفي الادعاء الباطل بألوهية المسيح عليه السلام :
إذا نظرنا إلى وصف المسيح عليه السلام في الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم ما وجدناه إلا بشرا حقيقيا لبث في بطن أمه تسعة أشهر كسائر الناس ثم ولد فشب وترعرع ، حتى إذا ما بلغ الثلاثين عاما مارس النبوة والدعوة سنة كاملة طلبته اليهود في آخرها ، "وقد كان يأكل ويشرب" (متى 11 : 19) وكان كأي إنسان حي يتبرز ويبول ، وكان يتعب ، ويسأم ، ويشتم ، ويصخب ، ويلعن ، ويسب ، ويتألم ، ويتوجع ، ويخاف ، ويصرخ ، وقد كان ينفرد فيتعبد ويصلي ويدعو الله تعالى ألا يمكن منه اليهود إلى غير ذلك من الصفات البشرية ، والانفعالات النفسية ، والإحساسات المختلفة التي يشعر بها الإنسان ، مما ظهر في سياق المبحث الأول .
ولو اعترض نصراني على ذلك وقال إنما كان ذلك من وجهة ناسوته ، قلنا إن الإحساسات المتباينة والانفعالات النفسية المختلفة لا يشعر بها الجسم المجرد من الروح ، بل إن الشعور تحس به الروح أكثر مما يشعر به الجسد ، وما شعور المادة إلا تحديد للانعكاسات التي تتلقاها الأعصاب المتعلقة بالحياة .
إن البشرية التي كان يضمها جسد المسيح عليه السلام ، هي التي كانت تشعر بالرغبة في الطعام والشراب ، وتحس بالحاجة إلى التبرز والتبول ، وفي أدب جم ، وعفة بالغة يذكر القرآن الكريم ذلك في وصف ابن مريم وأمه فيقول الحق تبارك وتعالى : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة:75) .
وإننا لا نستطيع مطلقا أن نقول إن المسيح عليه السلام كان يضم جسده الآدمي كلا من الروح البشرية والذات الإلهية (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ، فذلك مما لا يقبله العقل الذي عرفنا به الله تعالى ، واهتدينا به إلى إثبات وجوده منزها عما لا يليق به ، وإذا فرضنا أن الاتصال بين اللاهوت و الناسوت كان لوصول البشرية إلى مقام العزة الإلهية – وهذا الفرض غير جائز – فلا نستطيع أن نقول إن الاتصال المذكور كان لنزول العزة الإلهية إلى مستوى البشرية الحقيرة ، فيتصف الله جل وعلا بصفاتها ، وتلم به أعراض الحزن والألم والسرور والفرح ، بل ويذوق عذاب الأسر ، ويتجرع أو صاب الموت والصلب كما يدعون ويزلزله الألم ، ويدعوه العذاب إلى البكاء والصراخ والعويل كما تصف الأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم حال السيد المسيح عليه السلام .
وماداموا يقولون بموت المسيح المتعلقة به الروح ، فمعنى ذلك أن الروح كفت عن العمل ، وليس هناك معنى مطلقا بأن الجسد هو الذي مات وحده ، إذ أن الجسد كما قلنا ليس إلا وعاء للروح المجردة عن المادة ذلتا لا فعلا – كما أثبت ذلك الفلاسفة – أي أنها مردة في ذاتها ولا يظهر لها أثر ملموس في حياتنا بغير مادة .
كل ذلك يثبت أن الروح التي كانت متعلقة بالمسيح عليه السلام ما كانت إلا الروح البشرية المحضة التي لا مجال لسواها ، وإذا كانوا لا يقبلون ما تدل عليه بداهة العقل ، وجب عليهم إقامة الدليل للأخذ بسواه ، وبما أن أدلتهم على ادعائهم بألوهية المسيح عليه السلام واهية ، وقد بيناها ، وأثبتنا عدم صلاحيتها ، وأظهرنا استحالة وقوفها كدليل مما سبق شرحه في القسم الأول من هذا البحث ، فيكون بذلك المسيح عليه السلام محض بشر لا علاقة له بالله تعالى إلا علاقة المخلوق بالخالق وتكون الادعاءات الباطلة بألوهيته من أوهام المشركين الذين حرفوا رسالة المسيح عليه السلام كما سبق وأن حرف أجدادهم رسالة موسى من قبل .
وصدق الله العظيم إذ يقول في محكم كتابه : ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ (يونس:66) .
وإذا فرضنا جدلا أن التصور الخيالي لإمكانية الاتحاد بين الجوهرين الناسوتي واللاهوتي يمكن أن يتحقق ولو من قبيل الجدل ، لأصبح أقنوم الابن محدودا ، وكل محدود قابل للزيادة والنقصان ، ووجوده في حدوده يحتاج لموجد ، فيكون أقنوم الابن محدثا ، وإذا تجاوز نصارى اليوم كل حدود العقل باعتبار ذلك الابن إلها ، فإن ذلك يقتضي حدوث الله وهو محال ، لأن الله تعالى هو خالق الزمان ، فكيف للزمان أن يحد خالقه ؟!.....
ونستطيع أن نقول كذلك : إما أن يكون شخص المسيح عليه السلام هو الإله - كقول اليعقوبية – أو يكون الإله بكليته قد حل في المسيح عليه السلام – كزعم فرقتي الملكانية والنسطورية – أو حل بعضه فيه – كدعاوى بعض الفرق الأخرى – فأما الأول فمحال لأنه بإعدام المسيح عليه السلام ينعدم الله (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ، والثاني محال أيضا لأن الله تعالى ليس جسما ولا عرضا ولو كان جسما لوجب اختلاط أجزائه بأجزاء جسم المسيح عليه السلام فتتفرق الأجزاء حسب ذلك وهو باطل ، ولو كان عرضا لاحتاج إلى محل والواجب وجوده لذاته لا يحتاج إلى غيره وإلا صار ممكنا ، والفرض الثالث محال هو الآخر لأنه إذا انفصل الجزء عن الكل صار كلاهما ناقصا ، والمتركب من ناقصين ناقص ولا يجوز مثله على الواجب ، فيثبت أن ابن مريم ليس بإله ، وإنما بشر ممن خلق الله تعالى ، واصطفاه لتبليغ رسالته إلى الذين انحرفوا من بني إسرائيل عن تعاليم موسى عليه السلام .
وإنك لترى كذلك أنه لا معنى هنالك مطلقا للقول بأن المسيح عليه السلام إله تام كله وإنسان تام كله ليس أحدهما غير الآخر ، وإذا كان الأمر كذلك لكان الله تعالى إنسانا ولأصبح كل فرد منا إلها كذلك وهو محال .
وكلنا يعلم أن الله تعالى واجب الوجود ، أي أن وجوده لذاته من حيث هو الله تعالى ، أي أنه قديم باق غير مركب ، ولكننا إذا نظرنا إلى المسيح عليه السلام وجدناه محض إنسان تذكر عنه الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم أنه ولد في بيت لحم من مريم عليها السلام ، أي أنه أوجد كسائر البشر من عدم بقدرة الله تعالى الذي لا يحتاج وجوده لموجود غيره ثم يقول المسيحيون أنه أعدم بعد ذلك صلبا ، والله تعالى لا يطرأ عليه عدم ، وهو تعالى يصف ذاته العليا بقوله عز من قائل : ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الحديد:3) .
وقول سبحانه وتعالى : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الروم:27) .
ويعترف المسيحيون أن المسيح عليه السلام إنسان كامل ، أي أنه مركب من أعضاء وأنسجة وخلايا بشرية ، والمركب يحتاج إلى تقديم وجود كل جزء من أجزائه على وجود جملته ، وبما أن كل جزء من أجزائه غير ذاته ، فيكون وجود جملته محتاجة إلى وجود غيره ، والواجب الوجود كما قلنا لا يحتاج إلى وجود غيره بل هو واجب لذاته من حيث هي ، أي ليس وجوده موقوفا على الحكم بوجود كل جزء من أجزائه كالمسيح عليه السلام ، وصدق الله العظيم إذ يقول (موجها الحديث إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذي انحرفوا عن تعاليم ربهم) : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة:77) .



3 – الدليل النقلي على نفي الادعاء الباطل بألوهية المسيح عليه السلام :
نذكر هنا الأدلة الناطقة من الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم والتي يسجل كاتبوها فيها شهادة المسيح عليه السلام على نفسه بكونه محض إنسان ، وشهادته بوحدانية الله تعالى ، ونفيه عن نفسه الصفات التي لا يتصف بها إلا واجب الوجود ، الله ربي ورب كل موجود ، الذي وصف ذاته بقوله عز من قائل : ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ (الصافات:5) .
أ – الأناجيل الحالية تثبت فيما تسرد أن المسيح عليه السلام سلبت منه الحياة والله حي لا يموت :
تروي الأناجيل الحالية المزورة أن المسيح عليه السلام سلبت منه الحياة فيذكر إنجيل متى (27 : 5) أن المسيح حين صلب صرخ بصوت عظيم " وأسلم الروح " ، وسجل إنجيل مرقص (15 : 37) ما ترجمته : " فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح " ودون كاتبو إنجيل لوقا (23 : 46) ما ترجمته : " ونادى يسوع بصوت عظيم وقال يا أبتاه في يدك أستودع روحي ، ولما قال هذا أسلم الروح " وسجل كاتبو إنجيل يوحنا ما ترجمته : " فلما أخذ يسوع الخل قال قد أكمل ونكس رأسه وأسلم الروح " (يوحنا 19 : 30).
فترى من ذلك كيف سلبت من المسيح عليه السلام الحياة ، والله حي لا يموت يصف ذاته العلية بقوله : ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (البقرة: من الآية255) .
وقوله : ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (غافر:65) .
ب – تذكر الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم اعتراف المسيح عليه السلام بأن العلم بالآخرة والساعة لله وحده :
وفي ذلك يذكر إنجيل مرقص قولا منسوبا إلى المسيح عليه السلام يقول فيه : " وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب " (مر 13 : 32) ، فالمسيح عليه السلام يشهد بجهله ذلكاليوم وتلك الساعة ، أي أنه لا يعلم عن الساعة أو يوم الحساب شيئا ، والقرآن الكريم يؤكد على تفرد الله تعالى بهذا العلم إذ يقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:34) .
ويذكر : ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الزخرف:85) .
جـ – الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم تنسب إلى السيد المسيح عليه السلام أنه ينفي عن نفسه الإرادة والاختيار :
فإنجيل متى إذ يقرر أن لله الإرادة والاختيار يروي أن المسيح عليه السلام يخاطب ربه بقوله : " ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت " (متى 26 : 39) والله تعالى يصف ذاته العلية بقوله في محكم كتابه : ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ (الحديد:5) .
د – الأناجيل المحرفة الموجود بين أيدي نصارى اليوم تشهد بأن المسيح عليه السلام عاجز والله قادر على كل شيء :
فإنجيل يوحنا يذكر على لسان المسيح عليه السلام قوله : " أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا " (يوحنا 5 : 30) .
وإنجيل متى يذكر على لسان المسيح عليه السلام قوله : " وأما الجلوس عن يميني وعن شمالي فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعد لهم من أبي " (متى 20 : 23) .
وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الشورى:9) .
هـ – الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم تعترف بأن المسيح عليه السلام متواضع وأن لله الكبرياء :
فإنجيل متى يذكر أن أحد التلاميذ سأل المسيح عليه السلام قائلا : " أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل لكي تكون لي الحياة البدية ؟ فقال له : لماذا تدعوني صالحا ليس أحد صالحا إلا واحد وهو الله " (متى 19 : 16) .
ولو أخذنا هذا الكلام بظاهره لثبت نفي الصلاح عن المسيح عليه السلام وهو ما لا نقول به لأنه عندنا من أولي العزم من الرسل .
فلا شك أن هذا القول تواضع من المسيح عليه السلام ، والتواضع من صفات الصالحين ولا يكون الله متواضعا وهو سبحانه يصف ذاته العليا بقوله في محكم كتابه : ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الجاثـية:37) .
و – الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم تسجل أن المسيح عليه السلام ينسب العظمة لله وحده :
فينسب إنجيل يوحنا إلى السيد المسيح عليه السلام قوله : " إن أبي أعظم مني " (يو 14 : 28) ، ويقول : " الحق الحق أقول لكم أنه ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله " (يو 13 : 16) .
ز – الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم تصف السيد المسيح عليه السلام بالخوف والعجز والجزع وهي صفات لا يمكن أن تكون لله (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) :
يذكر إنجيل متى (27 : 46) ما ترجمته : " ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا : إيلي إيلي لما شبقتني " أي إلهي إليهي لماذا تركتني ؟
ومعنى ذلك أن المسيح عليه السلام يعترف لخالقه بالألوهية ، وينفيها عن نفسه ، وأنه كان خائفا من الموت ، عاجزا عن تخليص نفسه منه ، والغريب أنه على الرغم من ذلك فإن نصارى اليوم يزعمون أن المسيح عليه السلام إله ، فما معنى خوفه من قضاء حتمه على نفسه ؟ وما معنى عجزه عن التخلص من البشر الذين أهانوه وشتموه وبصقوا على وجهه ؟ بل ما معنى مناداة نفسه والتوسل إلى ذاته ؟ الغريب أن يصرخ المسيح عليه السلام الذي يزعمون ألوهيته خوفا من الموت المحتوم ، ونرى كثيرا من المجرمين والقتلة يتقدمون نحوه بقدم ثابتة وجأش رابط .
ح – الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم تذكر أن المسيح عليه السلام كان يعبد الله تعالى :
فقد ثبت أن عيسى عليه السلام كان يعبد الله تعالى ، ويتوسل إليه شأن المخلوق العابد مع الإله الخالق الذي يصف ذاته العلية بقوله : ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الحشر:24) .
ويروي إنجيل مرقص (1 : 35) عن المسيح عليه السلام ما ترجمته أنه : " في الصبح باكرا جدا قام وخرج ومضى إلى موضع خلاء وكان يصلي هناك " كما يذكر إنجيل لوقا عن المسيح عليه السلام ما ترجمته : " وأما هو فكان يعتزل في البراري ويصلي " (لوقا 5 : 16) .
وفي ذلك اعتراف كامل ، شامل ، صريح ، من السيد المسيح عليه السلام أنه عبد لله ، خاضع له بالعبادة والطاعة ، كما يخضع له كل الكون بالطاعة والعبادة انصياعا للقرار الإلهي : ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ (الرعد:15) .
ط – الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم تعترف بأن المسيح عليه السلام رسول الله تعالى :
فيذكر إنجيل يوحنا على لسان المسيح عليه السلام قوله : " الكلام الذي تسمعه ليس لي بل للآب الذي أرسلني " (يو 14 : 24) .
وقوله : " أنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله " (يو 8 : 40) ، وقوله : " لأني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني " (يو 5 : 30) أي أن الكلام الذي يتكلم به موحى به إليه من عند الله تعالى الذي أرسله ، وهذا يتنافى مع الادعاءات الباطلة بكونه إلاها أو شبه إله .
ي – تذكر الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم أن المسيح عليه السلام طلب من يوحنا أن يعمده وذلك ينفي عنه صفة الألوهية التي ألصقت به كذبا بعد رفعه:
يحكي إنجيل متى قائلا : " حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا المعمدان ليعتمد منه ولكن يوحنا منعه قائلا : أنا محتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إليّ ! فأجاب يسوع وقال له : اسمع الآن لأن هكذا يليق بنا أن يكمل كل بر حينئذ سمع له " (متى 3 : 13-15) .
فترى كيف يعترف الإنجيل المنحول إلى متى بتلك الواقعة التي سعى المسيح فيها أن يكمل نفسه بالتعمد من يحيى الذي صار بذلك أعلا منه مرتبة ، خاصة وأن الأناجيل المحرفة الموجودة بين أيدي نصارى اليوم تذكر أن المسيح شهد بنفسه أن يحيى " لم تلد النساء مثله " ، فهل يمكن لبشر أن يعلوا على خالقه ؟!
وألا ترى أنه من المخجل مجرد محاولة أن نساوي الله بالبشر ، ونزعم أن النبي الذي يعتمد من يحيى هو (الله) ، إن يحيى نبي كريم فهل يجهل يحيى ربه ؟ إن المسيح عليه السلام لو كان هو الله لسجد له يحيى حالا (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ، وهل يقف الله أمام عبده وجها لوجه يحادثه ؟ وهل يأخذ الله عن عبده الشريعة ويكمل نفسه بالتكاليف والعبادة بالتعمد منه ؟! إننا نجل الله تعالى عن هذا الشرك ، وننزهه تعالى عن هذا الخلط .
ك – الأناجيل المحرفة التي يؤمن بها نصارى اليوم تذكر أن المسيح عليه السلام جربه إبليس :
يقول (متى 1 : 1-15) : " ثم أصعد يسوع إلى البرية من الروح ليجرب من إبليس فبعدما صام أربعين نهارا وأربعين ليلة رجع أخيرا فتقدم إليه المجروب وقال له : إن كنت ابن الله فقل : أن تصير هذه الحجارة خبزا فأجاب وقال : مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكل كلمة تخرج من فم الله ، ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة وأوقفه على جناح الهيكل وقال له : إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل ، لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك فعلى أيديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك ، قال له يسوع : مكتوب أيضا لا يجرب الرب إلهك ، ثم أخذه أيضا إبليس إلى جبل عال جدا وأراه جميع ممالك العالم ومجدها وقال له : أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي ، حينئذ قال له يسوع : اذهب عني يا شيطان لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد " .
نستخلص من هذا الحديث إن كان صحيحا الأمور الآتية :
- أن إبليس كان يقود المسيح عليه السلام إلى حيث شاء فينقاد له ، فتارة يقوده إلى المدينة المقدسة ويوقفه على جناح الهيكل ، وتارة يأخذه إلى جبل عال جدا ، ويصعده عليه بدون أن يبدي المسيح عليه السلام اعتراضا وكأنه استسلم لإبليس استسلاما تاما غير خليق بنبي فضلا عن الإله .
- لا أعتقد أن إبليس من الجهل بحيث يعرض على ربه وإلهه ملك الأرض ومجدها ويطمع في أن يسجد له خالقه .
- ربما قال قائل أنه كان يخاطب ناسوت المسيح عليه السلام ، ولكن هذا الزعم باطل فإنهم يقولون أن اللاهوت متعلق ومندمج في الناسوت وهما غير مفصولين ، فيكون خطاب إبليس إذن لكليهما ، ولو كان إبليس يعني جسم المسيح عليه السلام وحده لخاطب نصفه ولم يخاطبه كله كما روى متى .
- ويؤخذ من الحديث السابق أن المسيح يشهد أن الله واحد لا إله غيره ، ولا شريك له ، ولا يعبد سواه ، ولا يسجد إلا له ، وهذا هو القول المنسوب إلى المسيح في الأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم تنطق بذلك حيث تسجل : " مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد " وهذا من بقايا الحق القديم في تلك الكتب المزورة .
ل – الأناجيل المزورة التي يؤمن بها نصارى اليوم تدعي أن المسيح عليه السلام كان ملعونا جهنميا وابن زنا :
وهذا لا يجوز على نبي ، بل لا يقبل من إنسان سوي فكيف يمكن أن ينسحب على إله ؟ (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) .
تدعي الأناجيل المزورة التي يؤمن بها المسيحيون أن المسيح (شرفه الله عن ذلك) ملعون من السماء ، واللعنة ، معناها الطرد من الرحمة ، فهل تليق اللعنة بمقام النبوة فضلا عن الألوهية ؟ إن النبي لا ينبغي أن يكون ملعونا ، فما بالك بمن يزعمون أن إلههم ملعون مطرود من رحمة نفسه ؟
تقول رسائل بولس أن : " المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا " (بولس 3 : 13) ، ثم قال : " كما أن المسيح مات لأجلنا ، ودفن ، لذلك فلابد أن نعتقد أنه دخل جهنم " فهل يليق بنبي فضلا عن إله أن يدخل إلى جهنم ؟! ثم نسبت تلك الرسائل نسب السيد المسيح (شرفه الله) للزنا فادعوا أنه ابن فارص ابن الزنا كما سبق وأن بينا في نسبه .
فهل يتسنى لنصارى اليوم بعد ذلك أن يزعموا أن المسيح ابن مريم هو الله ؟! بل كيف يتجرؤون على وصف المسيح – رسول الله تعالى – بمثل هذه الصفات الدنيئة التي تدنس الإنسان العادي ، فما بالهم بنبي من أولي العزم من الرسل شرفه الله وشرف أمه الصديقة تشريفا كبيرا عن هذا السفه الذي يدعون.