حقيقة المسيح5


وإذا أقبل علينا امرؤ بكتاب يدعي أنه من الله تعالى ، أو أخبرنا بقول يقول بإلهاميته ، عرضنا ذلك على محكمة العقل ، وبحثناه لنرى حكمته ، ودرسناه لنتبين صحته.وكذلك رسائل بولس الثلاثة عشر أو الأربعة عشر نرى لزاما علينا أن نبحثها لنرى هل هي إلهامية من الله تعالى ، أم هي محض رسائل شخصية بحتة أرسلها إلى أصحابه وحزبه وأتباعه ومريديه ؟ ونلخص ذلك فيما يأتي :

أ – كتب بولس عبارة عن رسائل شخصية محضة :
وإني أترك للقارئ الكريم الحكم على كتب بولس بعرض بعض نبذ من أقواله ، فقد جاء في رسالته إلى صديقه (تيموثاوس) قوله له : " بادر أن تجيء سريعا لأن ديماس قد تركني إذ أحب العالم الحاصر وذهب إلى تسالونيك وكريسكيس إلى غلاطية وتيطس إلى دلماطية ، لوقا وحده معي ، خذ مرقص وأحضره معك لأنه نافع لي للخدمة ، أما تيخيكس فقد أرسلته إلى أفسس ، الرداء الذي تركته في ترواس عند كاريس أحضره متى جئت والكتب أيضا ولا سيما الرقوق ، اسكندر النحاس أظهر لي شرورا كثيرة ، ليجازه الرب حسب أعماله ، فاحتفظ منه أنت أيضا لأنه قاوم أقوالنا جدا ، في احتجاجي الأول لم يحضر أحد معي بل الجميع تركوني ، لا يحسب عليهم ، ولكن الرب وقف معي وقواني لكي يتم بي الكرازة ويسمع جميع الأمم فأنقذت من فم الأسد ، وسينقذني الرب من كل عمل رديء ، ويخلصني لملكوته السماوي الذي له المجد إلى دهر الدهور آمين ، سلم لي على فرسكا وأكيلا وبيت أنيسيفورس " .
" أراستس بقى في كورنثوس ، وأما تروفيمس فتركته في ميليتس مريضا ، بادر أن تجيء قبل الشتاء ، يسلم عليك أفبولس وبوديس ولينس وكلافدية والأخوة جميعا ، الرب يسوع المسيح مع روحك ، النعمة معكم آمين " (2 تيموثاوس 4 : 9-22) .
فهل يمكن أن يصدق أن هذا كلام الله تعالى ؟!! وهل هذه الرسالة الشخصية المحضة يمكن أن تكون مكتوبة بوحي من عند الله تعالى ؟!! وصدق الله العظيم إذ يقول فيهم وفي أمثالهم : (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) (النساء:88) .
ولأضرب لك مثلا آخر من رسالة بولس إلى صديقه (فليمون) وهو قوله له : " ومع هذا أعدد لي أيضا منزلا لأني أرجو أنني بصلواتكم سأوهب لكم ، يسلم عليك أنفراس المأسور معي في المسيح يسوع ومرقص وأرسترخس وديماس ، ولوقا العاملون معي ، نعمة ربنا يسوع المسيح مع روحكم آمين إلى فليمون كتبت من رومية على يد أنسيمس الخادم " (فليمون 22-25) .
أكتفي بعرض هذا أمام القارئ ليرى بنفسه كيف يعتبر القوم مثل هذا الكلام كلام الله تعالى ومن شاء الاستزادة فليرجع بنفسه إلى رسائل بولس .

ب – بولس يخطئ في التشريع ويخطئ في الوحي المزعوم :
وكيف يعتبرون بولس رسولا يوحى إليه وهو يخطئ أخطاء فاحشة مسجلة عليه في نفس كتبه ، ومن ذلك قوله في رسالته إلى العبرانيين (9 : 19-12) : " لأن موسى بعدما كلم جميع الشعب بكل وصية بحسب الناموس أخذ العجول والتيوس مع ماء وصوفا قرمزيا وزوفا ورش الكتاب نفسه وجمع الشعب ، قائلا : هذا هو دم العهد الذي أوصاكم الله به والمسكن أيضا وجميع آنية الخدمة رشها كذلك بالدم " .
لقد ادعى بولس أنه كان فريسيا عالما بأصول الدين اليهودي وفروعه ، فكيف لا يعلم ما فعله موسى ؟ وكيف يخطئ في العهد الذي أوصى به الله ؟ فلقد جاء في العهد القديم أن موسى لم يأخذ دم عجول وتيوس بل دم ثيران فقط ، ولم يأخذ الدم مع ماء وصوفا قرمزيا وزوفا بل أخذ الدم وحده ، ولم يرش الكتاب وجميع الشعب بما قال ، بل رش نصف الدم على المذبح والنصف الآخر على الشعب (خروج 24 : 3-8)
وهناك مثل آخر لخطأ بولس يتمثل في ما جاء في سفر أعمال (23 : 2-5) : " فأمر حنانيا رئيس الكهنة الواقفين عنده أن يضربوه على فمه ، حينئذ قال له بولس : سيضربك الله أيها الحائط المبيض ، أفأنت جالس تحكم علي حسب الناموس وأنت تأمر بضربي مخالفا للناموس ، فقال الواقفون : أتشتم رئيس كهنة الله ؟ فقال بولس : لم أكن أعرف أيها الأخوة أنه رئيس كهنة الله لأنه مكتوب : رئيس شعبك لا تقل فيه سوءا " .فإن كان بولس ذا وحي ، لعلم أولا أن الذي يضربه هو رئيس كهنة الله تعالى ، وليطبق ثانيا الناموس ولم يشتمه .

ج – بولس يتهم الله جل شأنه بالحماقة والضعف : (تعالى الله عن ذلك علوا كبير)
يقول بولس في رسالته بدون روية أو تفكير (1 كورنثوس 1 : 25) : " إن حماقة الله ، أعقل من الناس وضعف الله أشد قوة من الناس " فهل تصح هذه المقارنة في حق الله سبحانه وتعالى خالق الخلق وموجد الوجود ؟! هل هذا التعبير الخطأ ، وهذا الكلام الذي لا ذوق فيه يمكن أن ينسب إلى الله جل شأنه ؟!

د – بولس يناقض نفسه ثم يتم الله جل شأنه بالجور والظلم :
وقول بولس (1 تيموثاوس 2 : 4) : " إن الله يريد تخليص جميع الناس " ثم يدعي " أن الله يرسل إليهم عمل الضلال ليصدقوا الكذب " (2 تسالونيكي 2 : 11) ثم يعاقبهم بعد ذلك عليه .
هذه أمثلة بسيطة أعرضها من أقوال بولس وكتبه ، حتى يحكم القارئ بنفسه ، هل مثل هذه الكتب الرديئة ، المتناقضة ، يمكن أن تكون من أقوال الله تعالى ووحيه ؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، ثم هي رسائل شخصية لبولس لا علاقة لها بالله جل وعلا .
ثم هنالك دليل عقلي آخر أختم به هذه الفقرة حتى يتم إثبات عدم صحة رسائل بولس وتزييفها وتزويرها على الله تعالى ، ويتلخص في أمرين : أولهما أنه ليس هنالك ثمة حكمة في أن يرسل الله تعالى رسولا بعد المسيح عليه السلام بفترة لا تزيد عن عقد واحد ، فقد بين المسيح عليه السلام في زمنه ما هو مكلف به ، وإلا فما بلغ رسالة ربه ، وتكون دعوى بولس أنه تلقى الرسالة هي دعوى باطلة أصلا ، خاصة وقد علمنا ماهية كتبه ورداءة محتوياتها ، وتفشي الأخطاء فيها ، وتناقضها مع بعضها البعض .
وأما الدليل الثاني على عدم صحة الرسالة التي ادعاها بولس كذبا وافتراءا على الله تعالى ، فهو ما ثبت في (مبحث المسيح عليه السلام في الأناجيل الأربعة) من أن ابن مريم بشر ، وكلنا يعلم أن الرسالة لا تصح من بشر رسول إلى بشر رسول ، ومن هنا تكون دعوى رسالة بولس باطلة أصلا وفصلا .

رابعا : هدم بولس لتعاليم المسيح عليه السلام :
قد بينا عند الكلام عن علاقة المسيح عليه السلام باليهود أن ابن مريم قد أتى ليصحح لهم عقائدهم وينفذ شريعتهم ، وأنه ما نقض حكما من أحكام دينهم بل دعاهم إلى اتباع أحكام التوراة والعمل بأوامرها ، وحثهم على اجتناب ما نهت عنه ، وكلفهم بإطاعة الله تعالى ، وبالامتثال لأوامر رؤساء دينهم ، بل لقد احترس في هذا التكليف الأخير ، فقال لهم : " اعملوا بأوامرهم ، ولكن لا تفعلوا كأفعالهم ، لأنهم يقولون ولا يعملون " .
ونرى إنجيل متى يصف المسيح عليه السلام بأنه قد ثبت هذا المبدأ ، وأحاط هذا التعليم بسياج منيع من التحذير والوقاية ، فقال : " فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكمل الكل " (متى 5 : 18) ، ومثله ما ينسبه لوقا في إنجيله من قول للسيد المسيح عليه السلام ترجمته : " السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول " (لوقا 21 : 33) .
ولكنا بالرغم من ذلك إذا رجعنا إلى بولس وجدناه غير مبال بالمسيح عليه السلام ، غير آبه بتعاليمه ، غير مكترث بتهديده وتحذيره ، ولسهولة بسط هذا ، نلخص ما فعله بولس فيما يلى :
1 – بولس يدعي كذبا أن له إنجيلا :
لقد بلغ من تجرؤ بولس على المسيح وتعاليمه أن جعل لنفسه إنجيلا خاصا به يعلم به الناس ، ويشرع لهم فيه ، فتراه يقول في رسالته إلى أهل رومية : " وهكذا حسب الأخبار السارة التي أعظكم بها سيكون حكم الله عليكم في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيل يسوع المسيح " (روميه 2 : 16) .فهل نزل الإنجيل على ابن مريم أم نزل على بولس ؟! أم صار الإنجيل هو رسائله التي بيناها وعرضنا على القارئ أمثلة منها ؟!

2 – بولس يبطل أحكام التوراة العملية ظلما ويشرع للناس من جديد :
فلقد أبطل بولس حسب إنجيله جميع أحكام التوراة العملية ، ولم يستثن منها غير أحكام حرمة ذبيحة الصنم ، وحرمة الدم ، وحرمة المخنوق ، وحرمة الزنا (أعمال 15 : 29) .
بل لقد ذهب إلى أبعد من ذلك وحلل ما حرمه وتلاميذه بالأمس ، ورجع عما أجاز لهم وقدر ، فأبطل النجاسة أصلا وفرعا ، وحلل ذبيحة الصنم ، وحلل حرمة الدم ، وحلل حرمة المخنوق ، ولقد جمع ذلك كله في قوله إلى أهل رومية (14 : 14) : " إني عالم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس شيء نجسا بذاته إلا من يحسب شيئا نجسا فله هو نجس " ، وقال في (تيطس 1 : 15) : " كل شيء طاهر للطاهرين وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهرا بل قد تنجس ذهنهم أيضا وضميرهم ".
ولقد حلل كذلك أكل لحم الخنزيربل نراه ينصح بشرب الخمور ، ويدعو إلى استعمالها مكان الماء القراح ، فيقول لصديقه تيموثاوس : " لا تكن فيما بعد شراب ماء بل استعمل خمرا قليلا من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة " (1 تيموثاوس 25 : 3) ، جاهلا ما تسببه الخمر من العلل الجسيمة ، والمصائب الاجتماعية ، غير عالم بما أثبته الطب الحديث من عظيم خطرها وشدة فتكها بأجساد شاربيها ، وما لها من التحكم في إرادة الشاربين ، وتأثيرها السيئ في أعصابهم ، وأجهزتهم التناسلية ، وما تصيب به النسل من التشوهات الخلقية ، والعاهات العضوية ، والأمراض الوراثية ، وما تحدثه من العلل في الأعضاء الرئيسية في الجسم كالكبد والقلب وغيرها .
بل لعل بولس يذهب بالطب مذهبا آخر فيقول إن الزيت يبرئ العلل ويشفي المرضى ويغفر الذنوب ، ويمحو الآثام ، وذلك في قوله : " إن مرض أحد بينكم فليدع شيوخ الكنيسة فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب ، وصلاة الإيمان تشفي المريض ، والرب يقيمه ، وإن كان قد فعل خطيئة تغفر له " (يعقوب 5 : 14) .وترى بولس يستمر على التعدي على حق الله وحده في التشريع فيقول في إحدى رسائله : " أما الباقون فأقول لهم أنا لا الرب إن أخ له امرأة غير مؤمنة وهي ترضى أن تسكن معه ... الخ " (1 كو 7 : 12) ، ويقول : " وأما العذارى فليس عندي أمر من الرب فيهن ولكن أعطي رأيا  (1 كو 7 : 25) .
ثم تراه يحلل زواج الأرملة (1 كو 7 : 9) الذي تحرمه الأناجيل تحريما باتا كما قدمنا ، وينقض حكم الختان (غلاطية 5 : 2) الذي لم ينقضه المسيح عليه السلام ، بل أقره باختنانه نفسه .
وبالاختصار فلقد غير بولس أحكام كل من الإنجيل والتوراة ، وأبطل الوصايا العشر الأساسية التي جاء بها موسى وأقرها المسيح عليه السلام ، ودعا إلى تنفيذها ن ووصى بالعمل بها .
يقول بولس : " لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير الناموس أيضا " (عبرانيين 7 : 12) ، ويقول عن التوراة : " وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال " (عب 7 : 13) ، ويبطل التوراة ، وينقض الناموس ، ويحقر شريعة موسى بقوله : " فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها " (عب 7 : 18) ، ويقول كذلك : " لأن الناموس ينشئ به غضبا إذ حيث ليس ناموس ليس أيضا تعد " (رومية 4 : 15) .
والمصيبة العظمى بعد ذلك ، أن يدعو بولس في الوقت نفسه إلى حفظ الناموس ويدعو إلى المحافظة على شريعة موسى عليه السلام فيقول : " أفنبطل الناموس بالإيمان ، حاشا ، بل نثبت الناموس " (رومية 3 : 31) ، ويقول : " أفأنت إذا الذي تعلم غيرك ألست تعلم نفسك الذي تكرز ألا يسرق .. أتسرق الذي يقول ألا تزني أتزني الذي تستكره الأوثان أتسرق الهياكل الذي تفتخر بالناموس أبتعدي الناموس تهين الله " (رومية 2 : 21-23) .
وأختم كلامي عن بولس الذي جعل المسيح عليه السلام إلها (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ، وجعل الله جل وعلا بصورة إنسان (تنزه الله عن ذلك تنزيها عظيما) أختمه بقول بولس نفسه : " لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم وأظلم قلبهم الغبي وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صارا جهلاء وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات لذلك اسلمهم الله أيضا في شهوات قلوبهم إلى النجاسة لإهانة أجسادهم بين ذواتهم الذين استبدلوا حق الله بالكذب واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق الذي هو مبارك إلى الأبد آمين " (رومية 1 :21-25) .

خامسا : أتباع بولس (أو البولسيون) :
إذا تسمى متبعوا الأناجيل الأربعة ، بالمسيحيين ، كما يحلو لهم أن يسموا أنفسهم ، فلا يمكننا بأي حال من الأحوال أن ننسب أتباع بولس إلى عيسى عليه السلام ، ولا نستطيع أن نسميهم بالمسيحيين لأنهم بعيدون كل عن تعاليمه ، غير عاملين بأمر من أوامره ، غير مجتنبين ما نهى عنه .
إن الغالبية العظمى من مسيحي اليوم ينطبق عليه تماما اسم (البولسيون) لاتباعهم أوامر بولس ، ولسيرهم معه في التيار الذي سار فيه ، ولتمسكهم بدينه الذي اخترعه لهم اختراعا ، وأنشأه لهم إنشاء ، والذي اقتبسه لهم من ديانات الأمم الوثنية المختلفة ، واستعاره من عقائد بعض الشعوب المشركة بالله تعالى .
لقد بنى بولس عقيدته أو دينه على الإيمان بإله وهمي تجسد في رحم امرأة ومكث فيه تسعة أشهر ، ثم ولد من أمه ، وبعد ثلاثين عاما
صلب وقتل ولعن ليفدي العالم من خطيئة وهمية وصم بها الجنس البشري كما قدمنا ، ولكي يعلل بولس نظريته ادعى أن الله سبحانه وتعالى يتكون من ثلاثة أقانيم ممتازة امتيازا حقيقيا ثم ادعى أن هذه الأقانيم الثلاثة الممتازة امتيازا حقيقيا هي واحد ، وإن دينا له مثل هذا الأساس الذي يغاير ويناقض دين عيسى عليه السلام ، ويعارض تعاليمه لهو أوهى من بيت العنكبوت الذي يصفه الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه بقوله : (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت:41) .
فلقد طرح بولس كل تعاليم التوراة كما قدمنا ، وترك تعاليم المسيح عليه السلام ، فأحل المحرمات وأجاز عمل الموبقات .
ألم يقل (لوثر) إمام البروتستانت : " إن الإنجيل لا يطلب منا الأعمال لأجل تبريرنا بل بعكس ذلك إنه يرفض أعمالنا " ويضيف : " إنه لكي تظهر فينا قوة التبرير يلزم أن تعظم آثامنا جدا وأن نكثر عددها " .
ألم يقل (لوثر) على المتن الإنجيلي حين وصل إلى يوحنا (3 : 16) ما ترجمته : " أما أنا فأقول لكم إذا كان الطريق المؤدي إلى السماء ضيقا وجب على من رام الدخول فيه أن يكون نحيلا رقيقا .. فإذا ما سرت فيه حاملا أعدالا مملوءة أعمالا صالحة فدونك أن تلقيها عنك قبل دخولك فيه وإلا لامتنع عليك الدخول بالباب الضيق هذا ، وإن الذين نراهم حاملين الأعمال الصالحة هم أشبه بالسلاحف فإنهم أجانب عن الكتاب المقدس وأصحاب القديس يعقوب الرسول فمثل هؤلاء لا يدخلون أبدا ".
وقال (ميلانكتون) العالم البروتستانتي في كتابه (الأماكن اللاهوتية) ص92 طبع إكسبرج سنة 1821م ما ترجمته : " إن كنت سارقا أو زانيا أو فاسقا فلا تهتم بذلك عليك فقط أن لا تنسى أن الله هو شيخ كثير الطيبة وأنه قد سبق وغفر لك خطاياك قبل أن تخطئ بزمن مديد " .
ألا يدرس الأطفال في مدارسهم البروتستاتينية ويقرأون في كتابه : " أن الأعمال الصالحة لا تفيد لأن كل ما يفعله الإنسان هو شر " ؟
فأي دين من الأديان لا يكون للأعمال الصالحة فيه قيمة ؟ وأي دين لا يدعو إلى اجتناب الخطايا والموبقات ؟!
يقول القس (بطرس حنا) في كتابه (فضائح الكنيسة الإنجيلية) أنه : " مسموح للراعي الإنجيلي أن يوجد في بيته لبعد منتصف الليل في غياب زوجته عن البلد فتاة عظيمة الجمال رشيقة القد عديمة الحشمة .. هذا ما صرح به سنودس النيل للمحكمة الدينية العليا لطائفة الإنجيليين " ويضيف : " مسموح للراعي الإنجيلي أن ينفرد بمعلمة البنات داخل أوده بعد التنبيه على الخادم ألا يسمح بدخول أي من كان مادام الراعي وإحدى أفراد رعيته مجتمعان " ، ويزيد في إباحيته بقوله : " مسموح لرعاة الإنجيليين دخول البيوت المشتبه فيها وفي ظلام الليل أثناء غياب أصحابها ولا حرج عليهم حتى إذا قال فيهم جميع الناس شرا ووصفوهم بكل وصف قبيح ... الخ " ويضيف إلى هذا الفحش قوله : " مسموح للراعي الإنجيلي أن يختلس من مال الرب ما يستطيع اختلاسه وإن وصل القدر إلى أكثر من سبعة آلاف جنيه وفي كل هذا لا عقاب عليه ، هذا ما قررته المحكمة الدينية المشكلة علنا تحت رئاسة رب الكنيسة كما يدعون ... الخ " .
وقال حضرة القس المذكور في كتابه المعنون (آداب الإنجيليين في كنائسهم) أنهم يعرضون في كنائسهم صورا بالفانوس السحري عن كيفية اجتماع الرجل مع زوجته – بالشرح المفصل طبعا – ثم قال : " انتقدنا ما رأيناه في كتاب (اللاهوت الأدبي الكاثوليكي) ، لأن المعرف يسأل المعترفين في كراسي الاعتراف عن كيفية اجتماع الزوج بزوجته والزوجة بزوجها ، وشنينا عليهم الغارة في كتاب آداب الكنيسة الكاثوليكية المعروف .
والآن بعد ما علمنا أن الكنيسة الإنجيلية لم تقف عند حد سؤال الرجال والنساء سريا وعلى انفراد عن علاقاتهم الجنسية وعن كيفية إتمام تلك العملية ، بل توسعت في الأمر إلى حد لم يخطر ببال رؤساء الكنيسة لأنهم لا يقتصرون على سؤال المعترفين في كرسي الاعتراف ، الزوج بمفرده وكذلك الزوجة بمفردها ، بل يدخلون في مناقشة تفاصيل ذلك خارج كرسي الاعتراف بحجة واهية ألا وهي أنهم يعتبرون بعض الكيفيات التي يأتي بها الرجل زوجته أو خليلته خطيئة ويريدون تنبيه الشعب لتجنبها والبعد عنها ... الخ .
والكنيسة الكاثوليكية تجري وراء بولس كذلك ، فلا تجعل للتوراة أو لأوامر المسيح عليه السلام في الأناجيل قيمة ، بل هي لا تعتمد إلا على ما يسمونه بالتقاليد ، أي الآراء التي يراها الرؤساء الدينيون والمبادئ التي يقررها شيوخ الكنيسة ، مهما كانت هذه الآراء وتلك المبادئ ، ولقد بلغت من ذلك مبلغا حرمت فيه على المسيحي أن يفهم كتبه أو يفسر ما جاء فيها من الأحكام ، ويبين ذلك المنشور الذي أذاعه البابا سنة 1864م ، حاكما فيه باللعنة على كل من يرى جواز خضوع الكنيسة لأي سلطة أخرى ، أو يعتقد أنه حر فيما يعتقد ، أو يفسر شيئا من الكتب المقدسة على خلاف ما ترى الكنيسة ، ومثله منشور آخر سنة 1868م يوجب فيه على المؤمنين أن يفدوا نفوذ الكنيسة بأرواحهم وأموالهم ، وأن ينزلوا لها عن آرائهم وأفكارهم ، ومثله قول القديس (أنسيلم) : " يجب أن يعتقد أولا بكل ما يعرض على قلبك بدون نظر ثم اجتهد بعد ذلك في فهم ما اعتقدت " فكيف يعتقد الإنسان ما لم يفهم ؟ أفننكر ملكة التفكير ونتجاهل نعمة العقل ؟
لقد خالف المسيحيون تعاليم المسيح ونبذوا أقواله وأوامره المنسوبة إليه في كتبهم وألفوا لهم كتابات أخرىفسعوا وراء المال ، ولم يبيعوا ممتلكاتهم ، وأحلوا الطلاق وهو محرم عليهم في كتبهم التي بين أيديهم ، ولم يبارك المسيحيون لاعنيهم ولم يصلوا لأجل الذين يسيئون إليهم ويشتمونهم ، ولم يدر المسيحي خده الشمال لمن صفعه على خده الأيمن ، وتركوا الختان بل حرموه على أنفسهم، وتركوا تعظيم يوم السبت وسمحوا لأنفسهم تقرير يوم الأحد مكانه ، وفرضوا على أنفسهم صياما غير مشروعوحللوا شرب الخمور ، وأكل لحم الخنزير ، وسفهوا أحكام العهد القديم ، ولم يأبهوا بتوصيات المسيح على دين موسى عليهما السلام ، إلى غير ذلك مما يضيق مثل هذا المقام عن حصره ، ولا يتسع لبيانه كله ، وإن هذا لهو الذي يدعونا إلى تسمية مسيحي اليوم بالبولسيين .
وكان أول من حذر من انحرافات بولس الذي تكلمنا عنه هو (برنابا) الحواري أحد تلامذة المسيح وأنصاره عليه السلام ، فتراه يقول في مطلع الإنجيل المنسوب إليه : " برنابا رسول يسوع الناصري المسمى المسيح يتمنى لجميع سكان الأرض سلاما وعزاء ، أيها الأعزاء إن الله العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح ، برحمة عظيمة للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى ، مبشرين بتعليم شديد الكفر ، داعين المسيح ابن الله ، ورافضين الختان الذي أمر به الله دائما ، مجوزين كل لحم نجس ، الذين ضل في عدادهم أيضا بولس الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى ، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع ، لكي تخلصوا ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله ، وعليه فاحذروا كل أحد يبشركم بتعليم جديد مضاد لما اكتبه لتخلصوا خلاصا أبديا وليكن الله العظيم بينكم وليحرسكم من الشيطان ومن كل شر آمين "(برنابا 1 : 1-10) .
نحن نعلم أن البولسيين ينكرون إنجيل برنابا ، ونحن أيضا ننكر كونه إنجيلا على الرغم من أنه أقرب إلى الحقيقة من غيره ، وقد أثبتته العلماء قبل الإسلام بنحو ثلاثمائة سنة ، ولا نرى فيه من التناقض ما نراه في الأناجيل الأخرى ، وقد قال العلامة (تولاند) الإنجليزي عند رؤيته هذا الكتاب سنة 1718م أن عهد النصرانية قد انقضى .
وقد كان الراهب (فرامرينو) هو أول من اكتشف هذا الإنجيل وعثر عليه في مكتبة البابا (سكتس الخامس) ، وقد حكى هذا الراهب أنه كان مشتاقا إلى مطالعة الإنجيل المذكور لقراءته عن بعض نبذ في رسائل (لأبرينانوس) يندد في أحدها ببولس ، ولما تقرب (فرامرينو) إلى البابا وزاره يوما في مكتبه ، نام الأخير فأراد الراهب أن يقطع الوقت بالمطالعة في أحد كتب المكتبة ، فوقعت يده على إنجيل برنابا الذي كان يتمنى الحصول عليه فخبأه في أثوابه ، ولما استيقظ البابا استأذن منه (فرامرينو) حاملا ما يعتقده كنزا ثمينا وذخيرة عظمى ، وقد رويت هذه الحكاية على نسخة أسبانية لهذا الإنجيل ، ورواها كذلك (سيل) في مقدمة له لترجمة معاني القرآن الكريم على الرغم من كون (سيل) هذا من أشد أعداء الإسلام خبثا واجتراءا على الله وعلى خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم .